تؤكد جل الدراسات التي تهتم “بالانتقال الديمقراطي” أن تجارب المجتمعات في هذا المسار تختلف من دولة إلى أخرى ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى، وأن لكل منها ظروفا وسمات خاصة، وغالبا ما يؤثر أسلوب الانتقال على نوعية النظام الديمقراطي الذي أفرزه الانتقال ومستوى تماسكه والوصول به إلى مرحلة الترسيخ الديمقراطي.

هذا ما نجده ينطبق على التجربة الجزائرية في حراكها الذي تعيشه منذ تاريخ 22 فبراير 2019، الذي كان نتيجة مسار سياسي انتحاري مُتَعَنِّت من قبل السلطة القائمة آنذاك (ولازال الكثير من شخوصها) والذي ذهبت بموجبه المجموعة الحاكمة إلى الانتخابات الرئاسية بترشيح للرئيس العاجز آنذاك لفترة رئاسية خامسة.

وهو ما جعل السيناريو الذي رسمه محيط الرئيس آنذاك يفشل من قبل أن ينطلق، أمام رفض مجتمعي طوفاني لم تعرفه الجزائر من قبل، وهو ما جعل هذا المسار المغلوط والمتجاوز للواقعية التي تسير بها الدولة منذ أكثر من 20 سنة، ينتهي إلى رفض وإجبار الرئيس عن التراجع لترشحه لرئاسيات أفريل 2019 ومن ثمة إلغائها بصورة نهائية،

إن الحالة العامة التي أجبرت الجزائريين  على رفض التعايش مع سلطة أنتجت الكثير من مظاهر التراجع والانهيار على المستويات الاجتماعية كلها والتي تمثلت في:

  1. تعمق مستويات الفساد؛
  2. هدم قيمي للمجتمع على كافة المستويات فرديا وجمعيا؛
  3. تراجع معدلات التنمية والنمو بصورة مناقضة لحقيقة مواردها المالية؛
  4. أخيرا تصحير الساحة السياسية من كل القوى السياسية أو المشاريع البديلة.

 

وأمام هذا التحول السياسي الذي بدأ يعيشه المجتمع ومؤسسات الدولة منذ تاريخ 22 فبراير، والذي اتفقت فيها منطلقات إقراره كتاريخ لا عودة إلى ما قبله في الممارسة والمطالبة السياسية جزائريا، هو ما أقر وأرَّخ إلى وضع جديد يحاول أن يخرج البلاد إلى فضاءات جديدة من التنمية والتعايش والبدائل التي تضع الجزائر في موضعها الطبيعي.

وفي تفسير هذه الحالة المستمرة والتي تعرف تمددا في حركيتها أفقيا وحتى عموديا على مستوى المؤسسات والجمهور الذي يصنعها، يأتي التفسير لبعض المعطيات التي يمكنها أن تؤدي إلى تصور جزئي للحالة الجزائرية مستقبليا.

وعليه فالقراءة الني تتخذها الدراسة تنطلق في فهم 3 مسارات نرى أنها تسهم في فهم الحالة بمقاربة تفسيرية ملائمة للتوجهات الشخصية والقراءة الأكاديمية

 

المسار.. التصور والفواعل

 

مسار المحفزات: هنا يأتي الدافع وراء الهبة الشعبية وبقاء الحراك على نفس الحركية والكثافة والتطور أيضا على مستوى المطالب و الشعارات، وهو ما جعل المتابعين يحاولون فهم الأبعاد التي تؤثر في هذا المسار بصورة مكثفة ومتراكمة وحتى متصاعدة. وفي هذا السياق نجد أن مجمل المحفزات التي أوجد “الحراك” وضاعفت من مستويات زيادته هي:

  1. تحطيم جدار الخوف والصمت لدى أفراد الشعب، وهذا ما يعد أحد أهم المحفزات التي تحفظ لهذه الحالة الجزائرية زخمها المتواصل والذي تزيد معه مستويات المطالبة وزيادة كمية المدخلات المتواصلة إلى علبة النظام التي بدأت تتفكك تدريجيا ، وأصبحت عاجزة عن الوفاء بها ، بسبب أنها أصبحت مطلب رحيلها من ضمن الخيارات؛
  2. نهاية الأسطور السياسية للرئيس الذي لا تنتهي عهداته، وهو عامل دفع للمطالبة بشهية المفتوحة نحو كثير من الخيارات والتطلعات التي أصبح الشارع يرى أنها قابلة للتحقق وفي متناول الجمهور؛
  3. انعدام الثقة في كل رموز ومؤسسات النظام السياسي القائم، وهو ما يعني أن بقاء المعبد بنفس الكهنة لن يعجب المريدين، وهو أيضا يُعقد من تصور شكل البدائل في ظل غياب نية في تقبل فترة انتقالية أو دستورية مؤقتة مع نفس الممارسين الرسميين لعملية إدارة الشأن العام ؛
  4. الضمانة السياسية والأمنية والمؤسساتية التي تعهدت بها المؤسسة العسكرية، وهي حالة تعبر عن انقسام لا محالة، من قبل بعض الأطراف التي لا ترى أن الجيش قادر على أن يكون طرفا له القدرة والكفاءة على ضمان الانتقال الديمقراطي في الجزائر، وهي حالة مربكة لدى البعض بصورة كبيرة، ولكنها من جهة أخرى نجد أطرافا في المجتمع (طبقة سياسية وأفراد) تضع الكثير من الأمل بإمكانية تجاوز هذه المرحلة بمرافقة المؤسسة التي تسعى إلى أن تكون الحارس لخيارات الشعب والوصول به إلى وضع ديمقراطي وسياسي يتجاوب مع طموحاته، وفي نفس الوقت يعتبر الجدار القادر على مواجهة أطراف فواعل “الدولة العميقة “(نقطة تلاقي بين هذا المسار ومسار العقبات)؛
  5. تراجع العامل الخارجي (الدولي) في حسم حالة المغالبة بين الشعب والسلطة القائمة، وهو ما قلل كثيرا من مخاطر الانزلاق، وهو ما جعل المشاركة اليوم في هذا الحراك ضمانة أكبر لهذا التكاتف والتقارب المجتمعي والأمني الذي سيقلل من نسب التصادم أو المواجهة، وهذا عالم تحفيز يصنعه الضمير الجمعي لنزع صورة أن الشعوب إذا أرادت حريتها وصناعة قرارها فيمكنها أن تفعل ذلك من دون دماء تسيل أو مقابر جماعية أو رصاص طائش أو نيران صديقة.

أمام هذا التحفيز المستمر  لدى مختلف مكونات المجتمع الجزائري (طبقيا، جهويا، مؤسساتيا…) وبحثا عن الحل للخروج بهذا الحراك إلى مآلاته التي ينشدها الجمهور، بدأت للظهور على الساحة السياسية والاجتماعية، الكثير من الأفكار والمشاريع التي تحاول أن تتجاوز الأطر التقليدية للتمثيل (أحزاب ونقابات) أو أن تكون هذه الأخيرة في إطار مشترك وتفاعلي على غير المعتاد، من هنا جاء تصور المسار الثاني.

مسار المبادرات : وجب التنبيه في البداية أن الملايين التي نزلت للشارع في مقارعة العصابة السياسية والمالية الحاكمة، ليست على قلب رجل واحد، وإن كان هذا لا يُذهب للوِّد قضية، فإنه أيضا سيكون عاملا في تنوع المبادرات التي سنطرحها قوى تقليدية وغير تقليدية، وإنها إذ تصنع هذا الزخم فإنها تنطلق في كثير من تفاصيلها على توافق من نحو :

  • الخلفية التاريخية في التي تحدد في مركزية بيان 1 نوفمبر الذي سعت الثورة التحريرية لتحقيقه في جزائر الاستقلال، ومخرجات مؤتمر الصومام الذي ترى فيه مجموعة أخرى نقطة ارتكاز حركية وثورية ؛
  • رفض السلطة القائمة وكل ما نتج عنها وما قامت به؛
  • مباركة حراك الشعب المطالب بحريته والعدالة في توزيع ثوراته ؛
  • محاسبة الفاسدين وتحريك العدالة في إطار ما يضمن استعادة الأموال المنهوبة ؛
  • دمقرطة الحياة العامة في كثير من تفاصيلها وبما يسمح للعمل على استعادة الفضاء العام واستعادة الشعب كصاحب سيادة وصاحب مقترح.

ومن بين هذه الحركات التي بدأت تنشط بصورة متسارعة ومواكبة للحراك نجد مثلا:

  • حركة عزم” والتي حركة شبابية يعرفها أصحابها على أنها (تمثل امتدادا للحركة الوطنية ومبادئها وأهدافها، من حزب نجم شمال إفريقيا إلى جبهة التحرير الوطني التي فجرت الثورة التحريرية المباركة، تتّخذ من بيان الفاتح نوفمبر مرجعية، ومن ثوابت الشعب التي بيّنها ثوابتَها، ومن هدف بناء الدولة الجزائرية الديمقراطية في إطار المبادئ الإسلامية أسمى أهدافها.)،
  • الجبهة الشعبية لإنهاء الوصاية الفرنسية “: تعرف نفسها – وهي إحدى الحركات التي لا تزال تنشط بصورة غير معتمدة ولكنها تضم الكثير من المناضلين-  على أن دورها هو  (إعادة بناء الدولة الجزائرية دولة عصرية قوية بجميع أطياف أبنائها و إستقلالية خيراتها كما حلم به أسلافنا في إطار مباديء اول نوفمبر وفي حدود بنوده السيادية -الدين الاسلامي- اللغة العربية- وحدة التراب الوطني – مع الاعتراف بالمزيج والنسيج الثقافي كعامل اثراء و تنوع وتماسك لا عامل تنافر و تفكيك وتحطيم.)؛
  • فعاليات قوى التغيير لنصرة خيار الشعب” وهو التحالف الذي يضم أحزاب من المعارضة وشخصيات وطنية، والتي أصدرت منذ بداية الأزمة حوالي 9 بيانات تطرح فيها تصورها لحل الأزمة؛
  • مبادرة الحل السلمي من أجل مستقبل الجزائر” وهي مباردة تطرحها جمعية العلماء المسلمين، كأحد التنظيمات التقليدية والتي لها حضور اليوم في الحراك، وتسعى من خلال هذا الطرح أن تقدم البدل نحو الحل،ومن بنودها اعتماد نداء أول نوفمبر 1954،وهو المرجعية الجامعة للشعب الجزائري كأساس لأي حوار، مع التأكيد على عدم المساس بثوابت الأمة، مع المحافظة على وحدة التراب الوطني وعلى وحدة الشعب الجزائري بجميع مكوناته وقيمه؛
  • التنسيقية الوطنية لأجل التغيير ” وهي الحركة التي جمعت أطرافا سياسية على نقيض إيديولوجي معروف في الساحة الجزائرية وهي تتطلع إلى سبل الحل أن تكون وفق المنظور التالي: سيادة الدولة وحقّ جميع مواطنيها في العيش فيها بحرّية وكرامة، الحريات الفردية والجماعية وحقوق الإنسان الأساسية،العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل والمنصف للثروة؛

إن هذه المبادرات على تعددها وعلى توافقها على محاور كثيرة، إلا أن هناك نقاط اختلاف جوهرية يمكنها أن تكون مدخلا لمسار العقبات أو الهدم الذي يبحث عن الثغرات ليزيد من مساحة نشاطه التي تتضاءل اليوم، ومجمل هذه الاختلافات الموجودة تتمحور في الإشكالات التالية:

  1. هل أسبقية المسار التأسيسي الشامل على المسار الدستوري؟
  2. هل أسبقية الحل الدستوري على السياسي ؟
  3. هل أسبقية العدالة الانتقالية على العدالة الردعية ؟
  4. هل الجيش ضامن أم مرافق أم متحكم في العملية السياسية؟

والإجابة عن هذه الأسئلة توضح مستوى الاختلاف بين هذه المبادرات اليوم، رغم أن المسيرة الشعبية لا تزال تصنع الحدث وتضغط أكثر من قبل، وربما قد تكون متجاوزة لكثير من أفكار هذه المبادرات بل قد لا ترقى إلى مستوى وعي وحركية الشارع الجزائر.

وأمام هذا المشهد الجديد في الجزائر والبحث عن جزائر جديدة، يبقى تحقيق الرغبات والأهداف محاط بكثير من العراقيل و الاضطرابات يمثلها المسار الثالث والأخير .

مسار العقبات : وهنا نأتي إلى أكثر المسارات تعقيدا وأكثرها جدلا وربما تصل إلى حالة الهاجس أو التخوف الجمعي الذي يقف عنده الجميع بكثير من الحذر والحيطة والترقب، لأن في تفاصيله تسكن مجموعة من شياطين الإنس التي لا تستوعب و مفاهيم السلمية والحضارية والتوافق القائم اليوم بين أفراد الشعب ، ولا تستسيغ هذا التشابك (على الأقل لدى أكثرية الشعب)  بين الشعب ومؤسسته العسكرية والأمنية من جهة أخرى، بل وتذهب إلى استحضار الأنموذج السلبي لدور الجيش في المحرقة التي دخلتها الجزائر بعد توقيف المسار الانتخابي، وفي أقل الأوضاع تلطفا تريد أن تبقى مهيمنة وقادرة الفعل وحتى تبني ردة الفعل في مفاصل الدولة والمجتمع.

وهذا المسار يمثل أسوء كابوس يمكن أن يفكر فيه الجزائري اليوم،لأنه المسار الذي يستطيع أن يعاد من ركام المحاسبة والتحطيم والتفكيك في فترة وجيزة وبصور مختلفة ومؤثرة منتقمة بصورة أكبر من قبل، هذا المسار يتمثل في صورتين: صورة المحيط الرئاسي الذي لا يزال يشتغل بطاقة جزئية ولكن مؤثرة ، ويملك الكثير من الولاءات رغم تساقط الكثير في الطريق، إلا أن قوة التأثير تبقى موجودة وحاضرة خصوصا إذا كان الكثير من الموظفين السامين هم من هذا المحيط ولا يزالون في مواقعهم.

الصورة الثانية وهي “الدولة العميقة” كمفهوم يدل على أذرع سياسية ومالية وإعلامية وإدارية تتبع بصورة كلية إلى مدير جهاز الأمن والاستعلام السابق المُقال، والتي تشتغل في الفترة الأخيرة بقوتها القصوى، وهذا أولا حفاظا على مغانمها وثانيا تقليلا لنسبة الخسارة على أقل تقدير وحماية لنفسها من المساءلة.

وهنا فإن هذا المسار سيكون مشتركا بين قطبين يعلم الجزائري خصومتهما السابقة، ولكن تم تجاوزها في مواجهة الحراك الذي يريد تعرية الوجوه والتحالفات والارتباطات الفعلية بين قوى غير دستورية  وجهاز شبكي يُعرف رأسه ولا تستطيع معرفة خيوطه ومدى طولها أو صلابتها، وهي على ما أبدته الأيام السابقة والحالة العامة لا يزال قادرا على التأثير وبقوة .

وتكمن مخاطر هذا المسار أن له كفاءة في إدارة حالات “التعفين” والصراع وإثارة مواطن النعرات العرقية والجهوية، وهو ما يجعل مسويات الخطورة عالية جدا على عنفوان الحراك الذي يمثله (مسار المحفزات) ويضاعف من مستوى الإنهاك والتدمير والإهلاك للجهود الوطنية التي يمثلها (مسار المبادرات) من خلال تزييف الوعي من جهة وتشتيت الجهود من جهة أخرى، وهذا قد يكون من أخطر الأدوات التي يملكها هذا المسار ومؤثرة بصورة مباشرة في المسارين الآخرين ، بل وإن التخوف الأشد هو انتكاسة هذا الحراك وعودة زمام الأمر إلى مسار العقبات ويكون هو مسار (التأثير والمبادرة) وينتهي بالوضع إلى انتقام وربما محرقة ثانية .

ظلال التقاطع و هواجس الحل

يمكن تلخيص ما سبق من نقاط حول تقاطع المسارات فيما يلي:

  1. أشد ما يمكن أن يعيق الحراك اليوم هو كثرة المبادرات وقلة التجاوب شعبيا وسلطويا ومن قيادة الأركان كفاعل مستقل؛
  2. مسار المحفزات مطالب بكثير من التبصر وعدم الوقوع في كثير من المطبات الاصطناعية التي جيدها مسار العقبات؛
  3. مسار المبادرات بابتعاده عن السعي نحو مكاسب ظرفية يمكنه أن يحقق الانتقال المطلوب والمحمود، ولكن انغماسه في التشكيك والتعدي على غيره من الفصائل أو عدائه لخطوط التماس مع مؤسسة الجيش في هذا الظرف سيكون غير قادر على رفع سقف المطالب والإقتراح؛
  4. “مسار العقبات” لا يمكن للشارع وحده أن يكون قادر على تنحيته أو محو خططه ومخططاته، وهو ما يتطلب الفعل المباشر والواقعي من قبل مؤسسة الجيش والمؤسسة الأمنية والقضاء في التعامل مع هذه القوى غير الدستورية؛
  5. أخيرا السلطة السياسية القادمة يتوجب عليها أن تعي جيدا منطلقات ومكونات وخطوط وشبكات هذه المسارات حتى يسهل عليها فهم متطلبات المجتمع وخياراته ورغباته.

د. عبد القادر سعيد عبيكشي

أستاذ العلوم السياسية / جامعة الجزائر 3

لايوجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.